الخطيب البغدادي
156
تاريخ بغداد
أسكت يا جاهل ، لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل . قال له المأمون : لو منعتهما عن ذلك لأوجعتك لوما وعتبا ، وألزمتك ذنبا ، وما وضع ما فعلاه من شرفهما ، بل رفع من قدرهما ، وبين عن جوهرهما وقد ثبتت لي مخيلة الفراسة بفعلهما ، فليس يكبر الرجل - وإن كان كبيرا - عن ثلاث : عن تواضعه لسلطانه ، ووالده ، ومعلمه العلم . وقد عوضتهما عما فعلاه عشرين ألف دينار ، ولك عشرة آلاف درهم على حسن أدبك لهما . وأخبرنا القاضي أبو العلاء الواسطي ، أخبرنا محمد بن جعفر التميمي ، حدثنا محمد بن الحسن قال : حدثنا أبو العباس ثعلب عن ابن نجدة قال : لما تصدى أبو زكريا للاتصال بالمأمون كان يتردد إلى الباب ، فلما أن كان ذات يوم جاء ثمامة ، قال : فرأيت أبهة أدب ، فجلست إليه وففاتشته عنه اللغة فوجدته بحرا ، وفاتشته عن النحو فشاهدت نسيج وحده ، وعن الفقه فوجدت رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم ، وبالنجوم ماهرا ، وبالطب خبيرا ، وبأيام العرب وأشعارها حاذقا ، فقلت : من تكون ؟ وما أظنك إلا الفراء ؟ قال : أنا هو ، فدخلت فأعلمت أمير المؤمنين المأمون ، فأمر بإحضاره لوقته ، وكان سبب اتصاله به . أخبرنا التنوخي ، أخبرنا أبو الحسن أحمد بن يوسف الأزرق ، حدثنا أبو بكر بن الأنباري ، حدثني أبي قال : سمعت إسماعيل بن إسحاق يقول : ما أحد برع في علم إلا دلة على غيره من العلوم . قال بشر المريسي للفراء : يا أبا زكريا أريد أن أسألك عن مسألة من الفقه . فقال : سل . فقال : ما تقول في رجل سها في سجدتي السهو ؟ قال : لا شئ عليه ، قال : من أين قلت ؟ قال : قسته على مذاهبنا في العربية ، وذلك أن المصغر عندنا لا يصغر ، فكذلك لا يلتفت إلى السهو في السهو . فسكت بشر . وحكى أن محمد بن الحسن سأل الفراء عن هذه المسألة ، لا بشر . أخبرنا الأزهري ، أخبرنا علي بن عمر الحافظ ، حدثنا أحمد بن أحمد بن سعيد ، حدثنا بنان بن يعقوب الزقومي أخو حمدان الكندي قال : سمعت عبد الله بن الوليد صعودا يقول : كان محمد بن الحسن الفقيه ابن خالة الفراء ، وكان الفراء يوما عنده جالسا ، فقال الفراء : قل رجل أمعن النظر في باب من العلم فأراد غيره إلا سهل عليه ، فقال له محمد : يا أبا زكريا فأنت الآن قد أنعمت النظر في العربية ، فنسألك عن باب من الفقه ؟ قال : هات على بركة الله تعالى . قال : ما تقول في رجل صلى فسها